أيام زمان.. سنوات التسعينيات والثمانينيات والسبعينيات، بل حتى قبل ذلك بكثير، كانت الأحياء المغربية وأزقتها آنذاك تضج بحياة من نوع خاص جداً. هذه الحياة تتجلى في أطفال يلعبون ويتسابقون؛ لم يكونوا يحتاجون لشحن هواتف أو البقاء على اتصال بالإنترنت ليلعبوا، كل ما كان يحتاجونه هو أن يجتمعوا في وقت محدد أو بصفة عشوائية، وحبذا لو كان بعد مغرب الشمس بقليل، ليبدؤوا لعب إحدى الألعاب الجماعية الأيقونية، ألا وهي لعبة «الغميضة». كانت اللعبة كفيلة بأن تجعلنا نحن الأطفال في ذلك الزمان سعداء حد الثمالة، لما لها من إثارة ومتعة منقطعة النظير. وفي هذا المقال، سوف نقوم بالإبحار بواسطة زورق الذكريات عبر مجلتكم الرقمية «مانوستالجيا»، ونستمتع باسترجاع ذكريات إحدى أجمل الألعاب التي ساهمت في تشكيل طفولة أجيال متعاقبة، من بينهم جيل الثمانينيات وجيل التسعينيات.
الغميضة ملكة ألعاب الزقاق ودروب الأحياء الشعبية أيام زمان
كانت «الغميضة» أو «كاش كاش» هي اللعبة الوحيدة تقريباً التي لا تكلف شيئاً، ولا يمل أو يكل منها الأطفال. وتفاصيل هذه اللعبة في ذلك الوقت كانت كالآتي: عندما يجتمع الأطفال، ومنذ الوهلة الأولى يتم الاتفاق على خوض غمار لعبة الغميضة فيما بينهم؛ تكون بدايتها عبارة عن قرعة، والتي سيُحدد من خلالها من سيكون عليه الدور في أن يستدير ويغمض عينيه قبالة الحائط ويبدأ العد التنازلي ريثما يختبئ الجميع. وبمجرد أن يتم هذا الفعل، تتسابق الأرجل نحو إيجاد مكان مناسب يستطيع فيه الأطفال أن يتواروا عن الأنظار، لتبدأ بعدها ضربات القلب الخفاقة تتسارع في إثارة لذيذة، بمجرد أن يبدأ من أغمض عينيه تجاه الحائط في البداية بالبحث عن المختبئين في الأرجاء. وكلما طال بحثه زادت الإثارة والمتعة، وتضاعفت معها البهجة؛ ليبدأ بالكشف الواحد تلو الآخر، ومن لم يستطع اكتشافه يُعتبر من الفائزين، أما أول من أُكتشف فيكون دوره بأن يغمض عينيه قبالة الحائط والبحث عن المختبئين وإيجادهم.
![]() |
| مشهد يجسد كيف كان الأطفال قديما يصنعون السعادة من لا شيىء فقط لعبة الغميضة والمتعة المتكاملة |
تاريخ لعبة الغميضة
يُعتقد أن لعبة «الغميضة» هي إرث إنساني متوارث منذ العصور الأولى لظهور الإنسان على البسيطة، وهي كجزء فطري من الإنسان في الصيد أو الاختباء من الحيوانات المفترسة، حيث يبدأ الأطفال بالتدرب على ذلك منذ نعومة أظفارهم. وظلت هذه اللعبة تتوارث وتتناقل عبر الزمن من حضارة إلى أخرى، ومن جيل إلى آخر، ولا تزال تُمارس بين الأطفال إلى يومنا هذا في عصر الذكاء الاصطناعي.
وفي مجتمعاتنا العربية، ورغم اللغة الموحدة، إلا أنها كتراث يختلف اسمها من دولة إلى أخرى؛ ففي المغرب على سبيل المثال تُسمى «الغميضة» أو «خبيعة»، وفي مصر يُطلق عليها اسم «الاستغماية»، وفي مناطق أخرى من القطر العربي يُصطلح عليها بـ «الطميمة».
وتجدر الإشارة هنا في هذا السياق، إلى أنه يُعتقد من طرف بعض الباحثين والمفكرين أن أصول اللعبة في بادئ الأمر تعود لأصول يونانية، وكان يُصطلح عليها في المجتمع اليوناني آنذاك بـ «النحلة العمياء» (Apodidraskinda) كما وصفها الكاتب اليوناني الكبير جوليو بوليكس. والجميل في الأمر هو أن اللعبة استطاعت أن تحافظ على ماهيتها كما هي منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا، وبنفس القواعد المعمول بها؛ أي أن الطرف الرئيسي في اللعبة يغمض عينيه، وباقي اللاعبين يختبئون أو يتوارون عن الأنظار في أماكن يصعب عليه إيجادهم فيها، ثم يبدأ البحث، والذي يُكتشف أولاً هو من يغمض عينيه في الجولة التالية بعد اكتشاف الجميع أو انتهاء الجولة.
الأسباب الوجيهة للاستمرار لعبة الغميضة عبى الزمن
من الأسباب الرئيسية التي جعلت لعبة «الغميضة» تُعمّر طيلة هذا الوقت، هي أنها تحاكي غريزة البقاء لدى الإنسان القديم، وتنمي مدارك الطفل منذ الصغر، وتدربه على التفكير السريع في إيجاد حلول للمشاكل والورطات المحتملة. ثم إن هناك سبباً دامغاً وجوهرياً لصمود اللعبة، ألا وهو بساطتها وانعدام تكلفتها المادية؛ فيكفي أن يجتمع الأطفال، أو الشباب في بعض الحالات، في مكان معين ليبدؤوا بممارسة لعبة الاختباء والبحث.
وهي لعبة ممتعة يمكن أن يمارسها الصغار والكبار على حد سواء؛ وما «بطولة العالم للاختباء» (World Hide and Seek Championship) التي تُقام سنوياً في إيطاليا، والتي يُطلقون عليها محلياً اسم «ناسكوندينو» (Nascodino)، إلا خير دليل على متعتها وجودتها حتى بالنسبة للكبار.
لعبة الغميضة وارتباطها بالوجود وغريزة البقاء
إذا تأمل الشخص ملياً في ماهية هذه اللعبة، سيربطها تفكيره مباشرة بلعبة البقاء في الحياة ككل؛ ففي عالم الحيوان أيضاً، ستلاحظ أن هناك حيوانات تعتمد في بقائها على «لعبة الاختباء»، سواء كانت حيوانات مفترسة أو فريسة؛ فالأولى تختبئ لفريستها حتى تصطادها وتتغذى عليها لتعيش، والنوع الثاني يقوم بالعكس، أي يختبئ من الحيوانات المفترسة ليعيش. والصورة نفسها تنطبق على الإنسان القديم، فقد كان يختبئ ليعيش، إما ليصطاد أو ليتجنب الحيوانات الخطيرة. وبهذا يستخلص الإنسان أن «الغميضة» كُلعْبة ليست رهينة بزمن معين أو منطقة جغرافية معينة، فهي حقيقة وجودية بالمختصر المفيد.
وهذه بعض أسماء اللعبة في بعض دول العالم:
الإسبان يطلقون عليها اسم: El Escondite.
أما الكوريون الجنوبيون فيسمونها: Sullae-japki ومعناها «صيد الساحرة».
وقديماً منذ الأزل، كان الريفيون الإنجليز يسمونها: Hoop and Hollo.
واليوم في عالمنا الرقمي، اختلفت مظاهرها قليلاً وتحولت إلى العالم الافتراضي على غرار باقي الميادين؛ وتجلى وجودها في بعض الألعاب الشهيرة، نذكر منها هنا لعبة «ببجي» (PUBG) أو لعبة «حرامي السيارات» (GTA)، وألعاب أخرى من هذا القبيل، مما يعكس ارتباط هذه اللعبة بالإنسان في كل زمان ومكان.
في الختام، قد تتغير الأسماء من «الغميضة» إلى «ببجي»، وقد تتبدل الأزقة الضيقة بشاشات اللمس الواسعة، لكن تظل تلك الرغبة الفطرية في البحث والاكتشاف جزءاً لا يتجزأ من تكويننا الإنساني، تذكرنا دائماً بأننا، ومهما كبرنا، لا نزال ذلك الطفل الذي يبحث عن الفرح في زوايا الحياة وعن تلك الأيام التي كنا نقرأ في كتاب القراءة ثم نخرج بعدها لنلعب الغميضة.
هل لا تزال تتذكر الأصدقاء الذين كنت تلعب معهم الغميضة ؟
بقلم : جواد الشريف


أزال المؤلف هذا التعليق.
ردحذفياليت الزمان يعود يوما
ردحذف