![]() |
صورة كتاب القراءة القسم الثاني ابتدائفي المغرب من سنة 1992 إلى 2002 |
ستظل مرحلة الطفولة أهمَّ مرحلة في حياة الإنسان؛ ففي تلك السنوات الأولى يبدأ وعي الطفل بالتكون والتشكل، ويشرع في استكشاف محيطه، واكتساب مهارات التواصل واللغة، وتعلُّم أبجديات الحياة.
ومن الأمور التي تظل محفورة في الذاكرة حتى مراحل العمر المتقدمة، ذكريات المدرسة الابتدائية؛ وما أدراك ما المرحلة الابتدائية! تلك المرحلة التي تميزت بجمالية كتبها، سواء في رصانة نصوصها أو صورها البديعة ذات الطابع الحالم.
وبما أننا نستحضر ذكريات المرحلة الابتدائية، فلا بد من ذكر كتاب كان محبوباً لدى ملايين التلاميذ المغاربة في التسعينيات وبداية الألفية الجديدة؛ إنه كتاب القراءة للسنة الثانية من التعليم الأساسي. ذلك الكتاب ذو الغلاف الأخضر الفاقع، الذي يُعد أيقونةً للجيل الذهبي ورمزاً وازناً ومؤثراً في ذاكرة طفولة تلك الحقبة.
وحتى نخوض في تفاصيل هذا الكتاب ونوفيه حقه من الوصف والتقدير، دعونا نبدأ بأبرز ما يميزه: صوره البديعة والجميلة ذات الألوان البراقة، التي تبعث البهجة والسرور في نفس كل من يتصفحه، وخاصة أولئك التلاميذ الذين رافقهم الكتاب طيلة موسمهم الدراسي.
أولى تلك الصور التي لن يمحوها الزمن من ذاكرة التلاميذ، هي صورة صفحة نص 'في ساحة المدرسة'. فبمجرد أن 'دق جرس الاستراحة، خرج التلاميذ مثنى مثنى وتفرقوا في أرجاء الساحة...' إلى آخر النص.
![]() |
| في ساحة المدرسة هذه الصورة من أشهر الصور لدى تلاميذ سلسلة القراءة قديما |
في ساحة المدرسة والتاخي بين التلاميذ
وكما يظهر في الصورة المرافقة، يخرج التلاميذ من أقسامهم أفواجاً، وفي جوانبها تجسيد دقيق للوصف الذي جاء في النص؛ حيث ليلى تقفز على الحبل، وخالد يستريح تحت السقيفة وأحمد يقترب منه. إن جمالية الصورة هنا تتحدث عن نفسها، فقد كان الفنان المبدع خلف هذه الأعمال حريصاً كل الحرص على أن تجمع اللوحة بين الجمال والبساطة، ليسهل استيعابها من طرف التلاميذ دون أن تفقد دورها التربوي والتعليمي.
![]() |
| في دارنا ضيوف.نص من نصوص كتاب القراءة السنة الثانية |
بين المطبخ والبهو: ترسيخ قيم التعاون الأسري
وبخصوص محتوى الكتاب فهو أعطى أولوية لتربية أولا والتعليم ثانية وما نص في دارنا ضيوف الذي بين أيدينا في هذه المقالة إلا خير دليل على ما نحن بصدده.
قال نبيل: حين رجعت إلى البيت.وجدت أمي داخل المطبخ تعد أطعمة متنوعة.بينما أختي تنتقل من غرفة النوم إلى البهو.ومن الشرفة إلى الفناءتنضف الأرض.وترتب الأثاث...إلى اخر النص كما مبين في الصورة...
تحليل هذا الدرس جاء على الشكل الاتي: بداية هذا النص يزرع في التلميذ مفاهم التماسك الأسري داخل المنزل بالتعاون بين أفراد الأسرة الواحدة في أعمال البيت كما جاء في النص بين الأم والإبنة.وثاني نقطة ألا وهي صلة الرحم التي تميز المسلم وهي أحد ركائز الدين الإسلامي الحنيف.
عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( قال الله تبارك وتعالى : أنا الله وأنا الرحمن ، خلقت الرَّحِم ، وشققت لها من اسمي ، فمن وصلها وصلته ، ومن قطعها بتَتُّه ) رواه الترمذي وأبو داود وأحمد في المسند ، وصححه الترمذي والألباني .
الطفل بمجرد أن يقرأ النص في دارنا ضيوف داخل القسم ويشتغل على تمارينه في البيت تترسخ في فطرته السليمة أن الإنسان لا يكون إنسان سوي إلا بهذه الصفاة.التعاون وصلة الرحم.
![]() |
| أحب هو نص شعري ضمن كتاب القراءة السنة الثانية سنوات التسعينات وبداية الألفية |
أدب الحب والعرفان: أنشودة البر والوفاء
'أحبُّ أمي وأبي.. حباً بلا حدود.. لأني لولاهما.. ما جئتُ للوجود..'
إلى آخر النشيد.. إن هذا النشيد المدرسي جزءٌ لا يتجزأ من المنظومة التربوية التي نهجها هذا الكتاب في غرس قيم الحب والاعتراف بالفضل للأبوين. إنه يرسل رسالةً عميقة للطفل المطالب بحفظ هذا النص، مفادها أن العرفان بالجميل للوالدين أمرٌ حتمي، وطاعتهما واجبٌ وجودي، والبرَّ بهما أمرٌ مفروغٌ منه. فبهذا البرِّ يكون الابن باراً، حسن السلوك والأخلاق، وهذه هي أولى خطوات النجاح في الحياة.
![]() |
| وطني هو نص أيقوني عاطفي ضمن كتاب القراءة السنة الثانية سنوات التسعينات وبداية الألفية |
حب الوطن: الوفاءُ للديار منذ نعومة الأظفار
ومن بين المحتويات الراقية والتربوية في هذا الكتاب الجميل، نجد نصاً في المحفوظات بعنوان 'وطني'.
'وطني الغالي.. لك إجلالي.. أنت في قلبي.. أنت في بالي.. أنت لي حصنٌ.. شاهقٌ غالي..' إلى آخر النص.
إن هذا النص يُعد درساً حقيقياً في ترسيخ حب الوطن والوفاء له منذ نعومة الأظفار؛ فقد حُفر في ذاكرة التلاميذ، بل في أفئدتهم، كذكريات من ذهب. واليوم، كل مَن تتلمذ على هذا الكتاب وتصفحه، بمجرد أن يرى صورة هذا الدرس، يرقُّ قلبه وتعود به الذاكرة أكثر من عشرين أو ثلاثين سنة إلى الوراء.
![]() |
| الطبل والثعلب نص من النصوص الأيقونية في كتاب القراءة السنة الثانية قديما |
بين المظهر والجوهر: حكمةُ الطبلِ الأجوف
كانت لنا شجرةٌ والطبلُ فيها يُجعل.. إن هبّت الريحُ على أغصانها تقلقل.. تُحدث في الطبل لنا صوتاً عظيماً يهول..' إلى آخر النص.
إن الفكرة في هذا النص بالذات هي فكرةٌ تربوية محضة؛ إذ يعلّم النصُّ التلميذَ ألا ينبهر بالمظاهر الخارجية أو ينخدع بالضجيج الجوف. لقد غَرّ الطبلُ الثعلبَ بضخامة جِرْمه وقوة صوته، ولما اقترب واكتشف حقيقة أنه أجوفُ خاب ظنُّه وأصابه الإحباط. ومن خلال هذه الحكاية الرمزية، يتعلّم الطفل أن المظاهر غالباً ما تكون خداعة، وأن العبرة دائماً بالجوهر والمخبر لا بالمظهر، وأنه في نهاية المطاف 'لا يصحُّ إلا الصحيح'.
لقد استعرضنا خمسة نماذج من دروس هذا الكتاب، تجسدت في قيم بر الوالدين، وحب الوطن، وصلة الرحم، والتعاون الأسري. إن هذه القيم السمحة والنبيلة هي التي تصقل شخصية الفرد داخل المجتمع، ليكون سليم الطباع، منتجاً، ومساهماً بسلوكياته الحسنة في رقي محيطه.
واليوم، لم يعد هذا الكتاب مجرد مقرر دراسي نهل منه التلاميذ المغاربة قديماً، بل أضحى مخزناً للذكريات الجميلة المطبوعة في الأذهان. إن صوره ونصوصه هي جزءٌ أصيل من مشاهد الطفولة التي يحنُّ إليها المرء، ويهرب من خلالها إلى عالم من السعادة الوجدانية كلما أثقلته صراعات الحياة
.
بقلم : جواد الشريف
والمزيد من التفاصيل شاهد الفيديو أسقله






إرسال تعليق