![]() |
| صورتي سنة 2020 |
بدايتي مع الإنترنت المظلم: ذكريات "السيبير" والفضول الذي كاد يدمر مستقبلي
شخصية "مصطفى" الغامضة: اللقاء الأول مع مصطلح "الديب ويب" وبداية التحدي
صديقي هذا كان اسمه "مصطفى"، وكان هادئاً وكتوماً وله الكثير من الثقة في النفس، لا يقدم على شيء حتى يتأكد من نجاحه نجاحاً كاملاً. وذات يوم من سنة 2011 بادرني بالسؤال قائلاً: هل تعرف ما هو "الديب ويب" يا صديقي؟ كان هذا المصطلح بالنسبة لي قادماً من غياهب الجب، وُلد في ذهني تواً. أجبته بعد هنيهة ليست بالقصيرة، وبعد أن أعطيت لنفسي فسحة تفكير لعل وعسى تساعدني ذاكرتي في الإجابة، وطبعاً لم تفعل؛ أجبته وقلت له: لا، ولم أسمع قط بهذا الشيء الذي تفوهت به، وحبذا لو اختصرت وشرحت ما هو.
أخرج سيجارته من علبتها التي كانت في جيبه وأشعلها، ثم نظر بعيداً كأنه مقبل على شيء غاية في الخطورة، وقال لي وهو ينفث دخان سيجارته: اليوم سآخذك معي إلى عالم "الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود" يا ولدي. هي جملة تحوي الكثير من الغموض والرعب في آن واحد، وخيّم صمت رهيب أثناء ذلك دام لدقيقة كاملة، وكأنه يعطيني الوقت الكافي لما نحن مقبلون عليه بعد فترة. أنا طبعاً لم أفهم مغزى كلامه بحكم حداثتي في هذا العالم، ثم خاطبته: أريني ما في جعبتك يا هذا، واحتفظ بالشرح لنفسك؛ فإن كان ما تضمره شراً فأنا له بالمرصاد، ولا عاش من مات جباناً. قال لي: اتبعني وكن رجلاً، ثم انطلق في خطوات ثابتة نحو "السيبر" وأنا خلفه، محاولاً استنتاج ما يريد أن يريني.
خبايا "الريد روم": حقيقة الغرف الحمراء والبث المباشر المظلم في الديب ويب
دخلنا على الموقع مباشرة ودون أي تأخير، لنرى غرفة حمراء تتوسطها أنثى جالسة على كرسي خشبي ومقيدة اليدين والقدمين وفمها مغلق بواسطة شريط لاصق أسود اللون. كان المشهد في حد ذاته كابوساً حقيقياً يجسد أبشع صور المعاناة الإنسانية التي يمكن أن يتخيلها عقل بشر. تجمدت في مكاني وأنا أرى تلك الضحية المسلوبة الإرادة في بث حي ومباشر أمام شاشة حاسوب في مقهى إنترنت بسيط. استدار صديقي نحوي وعلامات الجدية قد غطت وجهه وقال لي بصوت خافت: (للأسف، هنا سيكون المشهد مؤلماً وصادماً يا عزيزي، فهذا العالم لا يعرف الرحمة). في تلك اللحظة، أحسست بضيق شديد في صدري، وأدركت أن الفضول الذي قادني لهنا كان خطأً فادحاً، فما كنت أشاهده لم يكن مجرد عرض، بل كان تجسيداً لشر مطلق ينهش في كرامة الإنسان.كل ما شاهدناه في تلك اللحظة لا يمت للإنسانية بصلة، وأدركت آنذاك أنه يوجد في هذا العالم أناس أشرار قد تجردوا من إنسانيتهم، وداسوا على المبادئ والأخلاق العليا بأبشع طريقة ممكنة. في تلك اللحظات العصيبة، شعرت أن العالم الذي كنت أعرفه قد تضاءل أمام بشاعة هذا الواقع الخفي، وأن الفضول الذي قادني إلى هنا كان ثمنه غالياً من سلامي النفسي.
فخ الفضول في الديب ويب: كيف قادتني "التسلية" إلى مواجهة أخطر المواقع المشبوهة؟
لقد اختصرت لكم ما جرى أعزائي القراء، أما التفاصيل فمن الصعب جداً وصفها، لدرجة أني لم أستطع إكمال تلك العملية؛ فقد كاد قلبي يتوقف من هول ما عاينته تلك الليلة. غادرت المكان وأنا بالكاد أتمشى على قدمي، تاركاً صديقي هناك يكمل ما بدأه.
كان هذا تعريفاً مقتضباً عن عالم (الديب ويب). ومع مرور الأيام، غلبني الفضول من جديد وقررت استكشاف هذا العالم الغامض بنفسي دون علم صديقي، رغبةً مني في معرفة خباياه التي يجهلها الكثيرون. وفي إحدى المرات، قادني بحثي العشوائي للدخول إلى أحد المواقع المشبوهة التي تعرض مواداً وأدوات محظورة، وبدافع الاستكشاف والجهل التام بعواقب الأمور، بدأتُ في مراسلة القائمين هناك كأنني مهتم بما يعرضون، دون أن أدرك أنني أضع نفسي في فخ خطير لا يُحمد عقباه. دارت بيننا محادثة حول التفاصيل والأسعار، وبمجرد أن وصلنا لمرحلة الدفع، سارعتُ بإغلاق الموقع والانسحاب فوراً، ظناً مني أن الأمر مجرد تسلية عابرة وانتهت، وأنني سأنجو بفعلتي تلك بسلام دون أن يترك ذلك خلفي أي أثر.
كابوس الابتزاز الرقمي: كيف سرق "الديب ويب" هويتي الشخصية وهدد حياتي؟
وبعد أسبوع، جاءتني مكالمة على هاتفي الخلوي من طرف شخص مجهول؛ خاطبني باسمي الكامل وأعطاني معلومات سرية لا يعلمها إلا الله تعالى. أخبرني بنبرة وعيد أنهم بدأوا بالفعل في استخدام هويتي ومعلوماتي الشخصية لتوريطي في أنشطة مشبوهة ومحظورة دولياً، وأن اسمي أصبح الآن مسجلاً كطرف نشط في تلك الشبكات الخفية، مهدداً إياي بأنني سأصبح ملاحقاً قانونياً، وأنهم سيصلون إليَّ قبل الجميع كنوع من الانتقام على ما اعتبروه تلاعباً بهم.
أقفلت الهاتف وهرعت جرياً إلى صديقي وأنا مفزوع مما حدث. وعندما سألته عما يجري، أجابني بأنني ارتكبت خطأً فادحاً حين تواصلت معهم من حاسوبي الشخصي دون حماية، مما مكنهم من اختراقه وسرقة جميع بياناتي التفصيلية، وهم الآن يبتزونني وينتقمون مني كرد فعل على تلاعبي بهم. عندها أدركت أنني في ورطة حقيقية لابد لي من الخروج منها قبل فوات الأوان، وإلا ستكون النتائج وخيمة على حياتي ومستقبلي.
نهاية الكابوس: كيف نجوتُ من فخ الإنترنت المظلم في اللحظات الأخيرة
مرت الأيام وأنا في غم وهم وكرب، متوقعاً الأسوأ في قادم الأيام. يوماً بعد يوم كنت أعيش حالة من الشك والهذيان، ولا أنام إلا قليلاً مترقباً ما ستؤول إليه الأوضاع. هنا أدركت أنني في ورطة حقيقية ولا بد لي من التصرف قبل أن تحل الكارثة. فكرت وفكرت ملياً لكن دون جدوى، فأنا لا أعرف حتى كيف أتواصل معهم. وبسبب الحالة التي وصلت إليها، اعتكفت في البيت ولم أعد أجرؤ على الخروج من باب المنزل، فقد تملكني الخوف والهلع إلى أقصى الدرجات. وذات يوم خطرت ببالي فكرة، وهي أن أحاول الوصول إليهم مرة أخرى عبر الموقع نفسه، لعلني أجد سبيلاً للتفاوض أو حلاً ينهي هذا الكابوس بأقل الأضرار الممكنة.
وفعلاً، دخلت إلى الموقع، وإذا بالمفاجأة والدهشة تعتليانني مما شاهدته! لقد رأيت شعار المنظمات الأمنية الدولية يتصدر الواجهة، وعليه إعلان بالخط العريض مفاده أن الموقع قد تم إغلاقه نهائياً، والقبض على جميع المشرفين عليه في عملية أمنية واسعة. في تلك اللحظة، كادت السعادة أن توقف قلبي من شدة الخفقان، وشعرت بجبل من الهم ينزاح عن صدري. وبسرعة اتصلت بصديقي لأزف إليه هذا النبأ العظيم الذي كان بمثابة حياة جديدة لي.
هذه كانت أقسى تجربة خضتها في عالم الإنترنت المظلم، ولولا الأقدار والألطاف الإلهية لكنتُ الآن في خبر كان، أو لضاع مستقبلي نهائياً، وهذا أضعف الإيمان. والعبرة التي استخلصتها من هذه التجربة المريرة هي ألا أغامر بالدخول إلى هذه العوالم المجهولة التي تهدد الخصوصية والأمان، فالحذر كل الحذر من كشف أي معلومات شخصية في فضاءات إلكترونية غير آمنة. والواقع أن الأفضل والأسلم لكل إنسان هو الابتعاد تماماً عن هذا العالم الشيطاني الخبيث؛ فالسلامة النفسية والأمن الشخصي أغلى من أي فضول عابر. الإنسان بطبعه يحب السلم، والابتعاد عن مثل هذه المخاطر يندرج ضمن الفطرة السليمة. ومن رأى منكم أحداً ينساق وراء هذا الفضول فلينصحه، فنحن بشر في النهاية، والمساعدة والتوعية واجب إنساني قبل كل شيء.
دروس وعبر من الإنترنت المظلم: لماذا يجب عليك الابتعاد نهائياً عن هذا العالم الخفي
كل هذا وذاك في هذا المقال يندرج في خانة بعض من ذكرياتي الشخصية، التي سوف أسردها عليكم مستقبلاً من خلال هذه المدونة، ولم أشأ الإسهاب أكثر حتى لا أخرج عن الخط التحريري المقرر في هذا الموقع، والذي هو بعبارة صريحة:
ذكريات الزمن الجميل للجيل الذهبي.

الحمد لله على كل
ردحذف