ومن منا لا يحن إلى زمن قد مضى، زمن كنا نعيش فيه البراءة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وكنا نعيش فيه البساطة مرفوقة بالكثير من الفرحة والسعادة، فقط بأبخس وأرخص الأشياء آنذاك. بل حتى في أصعب المواقف الطفولية علينا، كالتغيب عن المدرسة أو الهروب منها وقتما أتيحت لنا الفرصة في الهروب، أو عند الإخفاق في النتائج المدرسية عند نهاية كل دورة دراسية، كان يتسلل إلى دواخلنا شيء من السعادة أو بعض منها؛ إما بسبب العطلة المنشودة مثلا، أو بسبب الإحساس بالتمرد على النظام العام وكأنك حققت أعظم إنجاز في العالم.
ذكريات فتى الأدغال ماوكلي
ومن بين مظاهر السعادة وأسبابها بالنسبة لنا نحن تلاميذ الجيل القديم في الثمانينيات والتسعينيات وبداية الألفية الجديدة، وكما يظهر في الصورة أعلاه، نرى أحد أحب الشخصيات إلى قلوبنا نحن الجيل الذهبي، والمعروف في أوساطنا في ذلك الوقت بـ "ماوكلي" فتى الأدغال.
ذكريات جرس المدرسة وعلاقته بالكابتن ماجد
من منا لا يتذكر تلك اللحظة المشهودة عندما تدق ساعة الصفر بالنسبة إلينا نحن التلاميذ، ألا وهي الساعة السادسة مساءً؟ كلنا كنا ننتظر بفارغ الصبر أن يرن أو يدق جرس المدرسة كي ننطلق سريعاً في أفواج متسارعة ومبعثرة عبر الأزقة والحواري نحو بيوتنا؛ ليس من أجل هدف نبيل ومحدد، لكن الغاية المنشودة آنذاك فقط كي لا تفوتنا أي دقيقة بل أي ثانية من سلسلة البطل الكرتوني العظيم في نظرنا، والذي كانت تبثه التلفزة المغربية آنذاك. وهناك أبطال كثيرون من هذا القبيل، وعلى سبيل المثال وأشهرهم على الإطلاق وهو الكابتن ماجد، والذي كان يمثل لنا أسطورة حية في لعبة كنا نمارسها بشغف ألا وهي لعبة كرة القدم. الكابتن ماجد هي شخصية خيالية في عالم الأنمي (Anime) التي كانت تغذي أحلامنا بأن يأتي يوم علينا نكون نحن فيه الكابتن ماجد.
الصراع بين الخير والشر
وكذلك تجدر الإشارة إلى بطلنا الشهير والمحبوب المعروف بالنمر المقنع، وما أدراك ما النمر المقنع؛ فهو بطل صنديد لا يقهر، كان يسحق المصارعين المنتمين لعالم الشر المنتمين لإحدى المنظمات الشريره. ومن بين أبرز المصارعين الذين قارعوا النمر المقنع والمنتمين لتلك المنظمة الشريرة هو المصارع تيفور، والذي ترسخ في قلوبنا قبل عقولنا كونه كان شخصية طيبة لكنه فُرض عليه الانتماء ليقاتل باسم تلك المنظمة الشريرة. والقائمة هنا تطول من المصارعين كالمصارع كيرلس وغيرهم
الكابتن ماجد وبسام وذكريات التنافس الأسطوري
وبالحديث دائماً عن الرسوم المتحركة القديمة والتي عايشناها نحن أطفال جيل الثمانينيات والتسعينيات، لا يفوتنا أن نمر مرور الكرام أو بتلك البساطة الشديدة في بداية هذا المقال دون أن نعطيه حقه الكامل. إنه إحدى أكثر شخصيات الأنمي تأثيراً وشهرة على الإطلاق، والتي كانت تؤثر فينا بشكل إيجابي وكبير جداً، ألا وهو البطل المحبوب والغالي على قلوبنا المسمى "الكابتن ماجد".
كان لشخصية الكابتن ماجد وقع جميل على نفوسنا نحن الأطفال في ذلك الوقت؛ كان يأخذنا إلى عالم كرة القدم بالشكل الذي كنا نراه في مخيلتنا الصغيرة. وكانت هذه السلسلة من الرسوم المتحركة بالذات هي من كانت تلهمنا على التنافس بيننا في عالم الألعاب، وعلى الخصوص كرة القدم في أحيائنا، سواء بجانب مدارسنا ساعة الاستراحة أو أيام العطل المدرسية، إلى غير ذلك من المناسبات الرسمية وغير الرسمية.
وبالدخول إلى تفاصيل شخصية الكابتن ماجد والأجواء الحماسية وبطبعه اللطيف، كان يأخذنا إلى عالمه الحالم بحيث كنا نعيش معه الصراع الأبدي مع خصمه اللدود والأسطوري وهو الكابتن بسام، كابتن فريق السعادة، صاحب القوة البدنية الهائلة وتسديدته المرعبة المعروفة بتسديدة النمر. وطبعاً لا ننسى أكثر ما كان يغيظنا في هذه السلسلة الشيقة، وهي عندما تكون المباراة في أكثر لحظاتها حسماً، ويقبل الكابتن ماجد أو الكابتن بسام على تسديد تسديدة حاسمة، تنتهي الحلقة في تلك اللقطة بالذات، ونبقى معلقين وحائرين ومشوقين عما قد يحدث بعد ذلك، ونبيت تلك الليلة هائمين في تلك التسديدة وما قد يتمخض عنها من أحداث، وهل سيفوز فريق السعادة أو يكون الفوز من نصيب فريق المجد.
ألعاب الطفولة المغربية قديما من البيي إلى لورما أو الباطير
وبعيداً عن أجواء الرسوم المتحركة ومغامراتها، كنا نلقى ضالتنا في التسلية بلعب ألعاب بسيطة والمتوفرة آنذاك مثل لعبة الغميضة أو لعبة الكريات الزجاجية الصغيرة المسماة بـ "البييي" أو "الكور"، لنجتمع نحن أطفال الحي في مجموعات صغيرة أو كبيرة في مناسبة أو بدونها، ليبدأ التنافس في عملية الربح تحت قوانين سُطرت لها مسبقاً. ودائماً ما كان يوجد طفل يستحوذ على حصة الأسد نظراً لمهارته في إصابة الكريات الزجاجية بدقة متناهية، وكان الأغنى منا هو صاحب أكبر عدد من الكريات المجموعة لديه.
ومن بين اللعب الشهيرة في عهدنا السابق هي تلك العربة الصغيرة المكونة من لوح خشبي وأربع عجلات حديدية صغيرة، كنا نسميها في شمال المغرب بـ "الباطير" أي السيارة المسطحة. كانت لعبة بسيطة للغاية ومن صنع يدوي نقوم به نحن الصغار، لنتسابق بها عند كل مساء بعد العودة من المدرسة ومشاهدة الرسوم المتحركة سالفة الذكر وغيرها. كانت أياماً بالفعل مليئة بالسعادة والبساطة والتفكير الطفولي النقي، قبل أن يلتهمنا الزمن بأحداثه المتوالية لتتوارى في جحيمه تلك البساطة والبراءة المنشودة والتي كانت تميز طفولتنا في ذلك العهد.
طقوس المناسبات الدينية وذكريات العيد
وطبعاً لا يفوتنا ذكر المناسبات الدينية وطعمها الخاص في ذلك الزمن الجميل، والذي كنا نستقبل فيه شهر رمضان الفضيل بشعور يمتزج بين الرهبة والسعادة، ونحن مدركون أن حدثاً جللاً سيدخل علينا ومن واجبنا احترامه والمضي فيه كما يفعل الأشخاص الكبار، محاولين صومه أو صوم بعض من يومه، وهو أمر مكلف علينا نظراً لطراوة أجسادنا الصغيرة، لكنه تحدٍ وجب الخوض فيه.
وعند أذان مغرب ذلك اليوم، كأنه بذلك الأذان يعلن المؤذن عن انتصارنا في ذلك التحدي، لنظل نعتز به في اليوم المقبل طيلة النهار مع أطفال الحي أو أصدقاء المدرسة. ودائماً نبقى في الحديث عن المناسبات الدينية وأجوائها في أيام طفولتنا، نستحضر هنا عيد الفطر والذي كان يعد لنا أحب مناسبة على الإطلاق، نظراً لكونها بداية عطلة ذلك اليوم، والأهم من هذا هو أن في ذلك العيد يشتري لنا آباؤنا اللباس الجديد الخاص بمناسبة عيد الفطر. وأضف على هذا وذاك، أن صبيحة ذلك العيد نجمع مبلغاً من المال لا نحلم به طيلة ذلك العام، لنشتري به كل ما كنا نحلم أن نشتريه في الأيام العادية.
أما في خصوص ذكريات عيد الأضحى وأجوائه في زمن طفولتنا الغابرة والجميلة، هو اليوم الذي يستقدم فيه آباؤنا كبش العيد إلى البيت، وهو بمثابة عيد آخر يسبق يوم العيد، وتكون فرحتنا بالكبش في بيتنا فرحة عظيمة وهو بمثابة ضيف عزيز على قلبنا، وهو حدث لا يتكرر طيلة العام. ونحرص على إطعامه بأيدينا وهو أمر غاية في الإمتاع والروعة، ويقابل هذا الفرح حزن شديد صبيحة العيد نظراً لأن أهل البيت سيضحون بذلك الضيف الغالي الذي ألفناه وأصبح صديقاً مقرباً إلينا بشكل خاص. لكن سرعان ما يتلاشى شعور الحزن بمجرد تذوق لحمه اللذيذ وزيارة العائلة، لكن هناك من منا لا ينسى ذلك المحبوب بسرعة.
لماذا نحن مدينون لهذه الذكريات ؟
كل هذا الحديث ما هو إلا نفحة من نفحات ذكرياتنا الجميلة في عهد قد مضى منذ سنين عديدة، ونحن فقط أردنا أن نستحضرها مع الكثير من الحب والحنين إليها. والتفصيل هنا قد يطول ويطول وقد لا ينتهي، والحنين إلى الماضي يتجدد كل لحظة وأخرى؛ لأننا فعلاً عشنا طفولة نقية وطاهرة رغم بساطة الحياة آنذاك، وكثير منكم قد يتفق مع كلامي ويتفق فيما خضته سلفاً في هذا النص.
وفي هذا الفيديو أسفله بعض من المشاهد من تلك المرحلة المؤرخة في ذاكرتنا... وهذا الفيديو يتطرق ويستعرض كتاب القراءة القسم الأول الذي توجد به صور ظلت راسخة في ذهننا، ودروس عشنا معها أحلى الأيام في زمن سيظل أجمل حقبة في حياتنا. كتاب القراءة هذا هو أيقونة طفولتنا نحن جيل الثمانينيات والتسعينيات وبداية الألفية الثالثة. وتجدر الإشارة أن كتاب القراءة للسنة الأولى اعتمدته وزارة التربية الوطنية سنة 1987 واستمر العمل به إلى حدود الموسم الدراسي 2001/2002.

أجمل الذكريات
ردحذف